مشروع موازنة 2021 يعرّض أمن الموظفين الإجتماعي لأخطار جسيمة

في وقتٍ تآكلت فيه القيمة الشرائية لرواتب الموظفين والعسكريين والمتقاعدين، الذين كانوا ينتظرون من الدولة تصحيح رواتبهم، أتى مشروع الموازنة المخالف للدستور والقوانين والمواثيق الدولية ليضرب أبسط حقوقهم التي كفلها القانون، ويُعرّض أمنهم الاجتماعي لأخطار جسيمة، ما يصُحّ توصيفه بالجريمة ضدّ الإنسانية، الأمر الذي يجيز الملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وعليه فآن اعتراض “المنبر القانوني للدفاع عن حقوق العسكريين المتقاعدين” على مشروع قانون الموازنة للعام 2021، هو اعتراض في التوقيت والشكل والمضمون، وفي أن إقرارها سيؤدي إلى تعريض الأمن الاجتماعي لأكثر من مليون مواطن من الموظفين وعائلاتهم لمخاطر جسيمة.
في الشكل، فان مقاربات الإصلاح المالي والإداري يجب ان ترتكز على مكافحة الهدر والفساد واسترداد الأموال المنهوبة والمهرّبة وتفعيل آليات المساءلة والمحاسبة لا سيّما من خلال انجاز التدقيق الجنائي وقطع الحساب عن السنوات المنصرمة، إلى جانب وضع خطة تنموية اقتصادية اجتماعية شاملة، تشكّل المدخل الصحيح والعريض لإصلاح مالية الدولة، وعند تحقيق هذا الإصلاح يمكن البحث في سبل تحديث نظام التقاعد والصرف من الخدمة وهيكلة القطاع العام، يقول العميد الركن المتقاعد أندري ابو معشر لـ “لبنان 24”.
وفي الشكل أيضاً فإنّ استهلال بعض مواد الموازنة بعبارة “خلافاً لأيّ نص آخر…” يضرب، بحسب ابو معشر، عرض الحائط نتاج نضالات تاريخية لتثبيت الحقوق ضمن قوانين أضحت ذات طابع الاستمرارية. كما أنّ تعديل هذه القوانين يجب أن يتم حصراً من خلال مشاريع أو اقتراحات قوانين مستقلة تدرس بعمق وتأنٍ، وليس من خلال قانون الموازنة ذي الطابع السنوي. ناهيك عن خطورة ما ورد في بعض المواد عن منح الإدارة الحق في وضع آليات تطبيق القوانين التي ترتبط بالحقوق، الأمر الذي قد ينتج عنه سوء تفسير واستنسابية في التطبيق، وبالتالي يجب حصر ممارسة هذا الحق بمجلس الوزراء مجتمعاً وعدم تركها لاستنسابية الوزير المعني.
الإبهام والغموض
اما في المضمون، فإن المواد المعترض عليها 32، 93، 102، 105 ،106، 107 و108 مخالفة لأحكام الدستور والفقه التشريعي و تعتبر من فرسان الموازنة Les cavaliers budgetaires ويشوبها الكثير من الإبهام والغموض لجهة افتقار صياغتها إلى الدقة والوضوح وتحديد المعنيين بالتطبيق وتواريخ نفاذ التطبيق… ما يفتح الباب واسعاً، بحسب ابو معشر، أمام استنسابية الإدارة وتعسفها في منح الحق أو في حجبه.
وإذ يؤكد المنبر القانوني في مطالعته رفضه جميع المواد32، 93، 102، 105 ،106، 107 و108 وفنّد الأسباب الموجبة للاعتراض عليها وخاصةً المواد 32 ، 107، و108:
‌أ-تعدبل المادة 32 وإلغاء ضريبة الدخل المفروضة على معاشات المتقاعدين استناداً للقرار الصادر عن المجلس الدستوري المجلس الدستوري الرقم 13 /2019، الذي اعتبر هذه الضريبة غير متوالفة مع الدستور، وأشار وفقاً لقراره إلى أنه “… يتوجب العمل سريعاً جداً على إصلاح الخلل الوارد في المادة 23 والبند (4) من المادة 47 والمادة 48 على نحو يتوافق مع الدستور خلال إعداد ومناقشة وإقرار موازنة 2020.” الأمر الذي لم يحصل لغاية تاريخه، ‌واستنادا إلى كتاب المديرية العامة لرئاسة الجمهورية رقم 530 / ص تاريخ 15/10/2019 والمنشور في الجريدة الرسمية رقم 47 تاريخ 17 /10/2019.والذي استثني بموجبه ورثة المتقاعدين من ضريبة الدخل.
المادة 107: إنّ تطبيق هذه المادة سيؤدي إلى حرمان الزوجة والبنات الوارثات حقهن المقدّس في معاش مورثهن “المتقاعد المتوفي” خلافاً للقوانين القائمة ووفقاً لما هو معتمد في غالبية الدول العربية، وهذا ما يمكن توصيفه بالجريمة ضدّ الإنسانية، كون الموظف يفني حياته بغية تمكين عائلته من العيش بكرامة، إذ يشكّل معاشه التقاعدي الإرث الوحيد المتبقي لعائلته، وعلى التشريع التعاطي مع مفهوم “العائلة” على أنّه جزء لا يتجزأ من النطاق القانوني لتحديد الحقوق، وبالتالي لا يمكن فصل مصير الموظف عن مصير عائلته التي تعيش تحت كنفه حيّاً كان أم ميتاً، علماً أن تركة الموظف المتوفي هي مجموع المحسومات التقاعدية وعوائدها طوال خدمته، وبالتالي هي لا تشكّل أيّ عبء إضافي على خزينة الدولة.
‌ب-المادة 108: إنّ تطبيق هذه المادة سيؤدي إلى اقتطاع نحو نصف معاشات العسكريين المتقاعدين من رتب محددة، ما يصحّ توصيفه بقطع الأرزاق وبالمجزرة الحقيقية، بالإضافة إلى انّها تضرب الحقوق المكرّسة في قانون الدفاع الوطني وقانون سلسلة الرتب والرواتب الأخير، ومن شأنها تدمير أمنهم الاجتماعي ونسف قاعدة الهيكلية التنظيمية والتراتبية والحقوقية ضمن متقاعدي الأسلاك العسكرية من جهة، وبينهم وبين متقاعدي القطاع العام من جهة أخرى. كما سيؤدي ذلك إلى عدم قدرة المؤسسات الأمنية على استقطاب النخب من الشباب اللبناني في مقابل افراغها من عنصر الشباب الكفوء، لا سيّما من الضباط أصحاب الطاقات الفكرية والعلمية، الذين على عاتقهم تقع مسؤولية إدارتها وقيادتها.
ترتكز معركة المنبر القانوني لدرء الخطر عن الامن الاجتماعي لمن ستطالهم الموازنة على المبادئ التالية:
اولاً، لا نقاش حول تحديث قوانين التقاعد والمنح الاجتماعية قبل انجاز الإصلاح المالي والإداري ووقف الهدر والفساد.
ثانياً، اعتبار كل مادة تقتطع من معاشات المتقاعدين او من حقوق ورثتهم هي بمثابة قطع للارزاق ويجب اسقاطها.
ثالثاً، أي تعديل في موضوع الحقوق يجب ان يتركز على وحدة المعايير بدون استثناء أو تمييز.
رابعاً، المعركة الحقيقية للعسكريين المتقاعدين ليست في المواد حصراً انما هي في رفع الاعتمادات المخصصة للرعاية الطبية والاجتماعية.
وبناء عليه يشدد ابو معشر على اهمية إلغاء وتعديل المواد 32 ،93 ، 102.105 .106 . 107 ،108 بعد الأخذ بالاقتراحات المدرجة في المطالعة القانونية التي اعدّها المنير القانوني والتي أصبحت بمتناول كافة السلطات المعنية بإعداد الموازنة ومناقشتها وإقرارها، مع التركيز على تعديل الاعتمادات المخصّصة للتقديمات الحمائية والرعائية ورفعها بما يتناسب مع التكلفة الحقيقية ومع مستوى التضخم المتوقع للعام 2021، خصوصاً بندي الرعاية الطبية والتقديمات المدرسية لمتقاعدي القوى المسلحة بما يعادل ما هو محدّد في تعرفة تعاونية موظفي الدولة.وشدد على اهمية انجاز مشاريع قطع الحساب والتدقيق الجنائي، ومشاريع مسح القطاع العام والتوصيف الوظيفي قبل المباشرة بأي نقاش حول إصلاح نظام التقاعد والصرف من الخدمة أو إعادة هيكلة القطاع العام.
فضلا عن اقرار زيادة فورية على الرواتب والأجور تتناسب مع نسبة غلاء المعيشة مع تركيز ابو معشر على اهمية عدم المباشرة بإعداد أي مشروع لتطوير نظام التقاعد والصرف من الخدمة، من دون مشاركة ممثلين عن مختلف القطاعات والنقابات المعنية والمتقاعدين أو من دون الأخذ بآرائهم وملاحظاتهم.
وسط ما تقدم، يحضر المنبر القانوني وفق ابو معشر للقيام بجولة على المعنيين بإعداد الموازنة ومناقشتها وإقرارها، بهدف شرح المخاطر المصاحبة لإقرار مشروع الموازنة، وسيدعو المنبر القانوني جميع العسكريين المتقاعدين من كافة الاسلاك الامنية وموظفي القطاع العام ومتقاعديه كافة إلى التأهب لاسقاط كل محاولة لتهديد أمنهم الاجتماعي وبمختلف الوسائل المتاحة.

شارك برايك

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

التخطي إلى شريط الأدوات